اسماعيل بن محمد القونوي
45
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة محمد ( 47 ) : آية 34 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( 34 ) قوله : ( عام في كل من مات على كفره وإن صح نزوله في أصحاب القليب ) إذ سبب عدم المغفرة الكفر سواء كان الصد غيره موجودا أولا بقرينة الدلائل الدالة على ذلك فلا وجه لإشكال البعض بأن هذا إنما يتمشى إذا أريد به الصد عدم الدخول في الإسلام كما مر في أول السورة وإلا فالعموم مع التخصيص به محل نظر انتهى . كأنه لم ينظر إلى موضع آخر الدال على أن الكفر وحده كاف في عدم المغفرة والقليب بفتح القاف بوزن فعيل بئر طرح فيها قتلى بدر من المشركين . قوله : ( ويدل بمفهومه على أنه قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه ) وهذا المفهوم منطوق في بعض المواضع فلا حاجة إليه لأنه مختلف فيه معتبر عند الشافعي دون الحنفي . قوله تعالى : [ سورة محمد ( 47 ) : آية 35 ] فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ( 35 ) قوله : ( فلا تهنوا فلا تضعفوا ) الفاء جواب شرط مقدر أي إذا تبين لكم أنه تعالى يبطل أعمالهم الحسنة ويعاقبهم على كفرهم المفهوم من عدم المغفرة فلا تظهروا الضعف أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولا حتى نزل ولا تبطلوا أعمالكم فقلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقلنا الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] فكففنا عن القول في ذلك فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم يصبها وعن قتادة رحم اللّه عبدا لم يحبط عمله الصالح بعمله السئ وقيل لا تبطلوها بمعصيتها وعن ابن عباس لا تبطلوها بالرياء والسمعة وعنه بالشك والنفاق وقيل بالعجب فالعجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وقيل و لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [ البقرة : 264 ] وقال صاحب الانتصاف الكبائر لا تبطل الحسنات إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها بل الحسنات يذهبن السيئات والكبيرة عند المعتزلة تحبط الصالحات ولو كانت مثل زبد البحر وما أورده الزمخشري من الآثار وجب رده على قاعدة أهل الحق بالتأويل فإن لم يقبل التأويل فطريقه أن يحسن الظن بالمنقول عنه ويغلط قائله وكلام ابن عمر ظاهره أولى بنصرة أهل السنة والآية محمولة عندنا على الاخلال بركن وشرط يقتضي البطلان من أصله لا أنه مبطل بعد استكمال شرائط الصحة والقبول قال الطيبي رحمه اللّه أما قضية النظم فإنه تعالى لما حكى عن المؤمنين الذين قالوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ [ محمد : 20 ] وكانوا يدعون بذلك الحرص على الجهاد وحين أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال جبنوا وكفوا وأبوا إلا مخالفة طاعة اللّه ورسوله وذمهم على ذلك ذما بليغا واطنب فيه حتى ختمه بقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ محمد : 32 ] إلى قوله : لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ [ محمد : 32 ] ثم اتبع ذلك قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [ محمد : 33 ] أي لا تكونوا أمثالهم فيما أمرتم به من الجهاد في سبيل اللّه فتجنبوا فيه فإن ذلك نفاق وتشبه بالكفرة الذين صدوا عن سبيل اللّه وشاقوا الرسول فسيحبط أعمالكم كما أبطل أعمالهم فالحاصل أنه من باب التغليظ ويؤيده تعقبه بقوله فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم بالفاء وفصله بقوله : وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ [ محمد : 35 ] .